ابن بسام

21

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق * أراه غباري ثمّ قال له : الحق وذكرت بهذا الخبر ما وصف عن أبي عبد اللّه ابن شرف ، وذلك أنه قال يوما للمأمون بن ذي النون أيام خدمته إيّاه ، واستشفافه صبابة عمره / في ذراه ، وقد أجروا ذكر أبي الطيّب ، فذهبوا في تأبينه كلّ مذهب : إن رأى المأمون - لا فارق العزّة والعلاء - أن يشير إلى أيّ قصيدة شاء ، من شعر أبي الطيّب حتى أعارضه بقصيدة تنسي اسمه ، وتعفّي رسمه . فتثاقل ابن ذي النون عن جوابه ، علما بضيق جنابه ، وإشفاقا من فضيحته وانتشابه . وألحّ أبو عبد اللّه حتى أحرج ابن ذي النون وأغراه ؛ فقال له : دونك قوله : « لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي » . فخلا بها ابن شرف أيّاما فوجد مركبها وعرا ، ومريرتها شزرا ، ولكنه أبلى عذرا ، وأرهق نفسه من أمرها عسرا ، فما قام ولا قعد ، ولا حلّ ولا عقد . وسئل ابن ذي النون بعد : أيّ شيء أقصده إلى تلك القصيدة [ 35 ] ؟ فقال : لأنّ أبا الطيّب يقول فيها : « بلغت بسيف الدولة النّور » وأنشد البيتين . وهذه غريبة ولو صدرت عن أبي العباس المأمون ، فضلا عن منتزع لقبه يحيى بن ذي النون . وقدما كبا الجموح ، وذهبت بالباطل الريح ؛ ولم يندم من بنى على أسّه ، ولا هلك من عرف قدر نفسه . وقد حدّثت أيضا أنّ أبا علي ابن رشيق ناجى نفسه بمعارضة أبي الطيب في بعض أشعاره ، وراطن شيطانه بالدخول في مضماره ، فأطال الفكرة ، وأعمل النّظرة بعد النّظرة ، فاختار من شعره ما لم يطر ذكره ولا لحظ [ 1 ] قدره ، فأدّاه جهده ، وذهب به نقده ، إلى معارضة قوله : « أمن ازديارك في الدّجى الرّقباء » [ 2 ] ، فبثّ عيونه ، واستمد ملائكته وشياطينه ، ولم يدع ثنيّة إلّا طلعها ، ولا خبيثة إلّا أطلعها ، / ولا رويّة إلّا اتّسع لها فوسعها ؛ ثم صنع قصيدة - فيما بلغني - رأى أنّها مادة طبعه ، ومنتهى طاقة وسعه ؛ ثم حكّم نقده ، ورضي بما عنده ، فرأى أن قد قصرت يداه ، وقصّر مداه ، وعلم أنّ الإحسان كنز لا يوجد بالطلب ، وميدان لا يستولي عليه التعصّب ، وصان نفسه عن أن يحدث عنه بأن تكون الهرّة أحزم منه . وقد ذكر عن صاعد ، أنه افتضح في سرقة شعر غير واحد من أهل تلك الآفاق ، من شعراء الشام والعراق ؛ إذ كان ورد بها وهي بغبار السفر ، فاشتهر بها في غير ما شعر

--> [ 1 ] ص : انحط . [ 2 ] ديوان المتنبي : 114 ، وعجز البيت : « إذ حيث أنت من الظلام ضياء » .